أسامة داود يكتب: فلسفة تفاوض البترول من عز الدين هلال إلى الخواجة كريم
الخواجة كريم جاء بعقلية خبير دولى يرى أن إسعاد المستثمر هو المدخل الوحيد لحل كل المشكلات
لكل وزير بصمته.. ولكل جيل فلسفته.. لكن يبدو أن وزارة البترول المصرية لا تعيش فقط انتقالًا بين وزراء، وإنما تشهد تحولًا بين مدرستين متناقضتين فى التفكير وإدارة الثروة.
مدرسة قديمة كانت تنظر إلى البترول باعتباره أحد أعمدة الأمن القومى المصرى نجح منها فتية استطاعوا إعادة بناء إقتصاد الطاقة خلال أسابيع عقب نكسة يونيو 1967 في وقت لم يكن لدينا بترول خام ولم تكن لدينا معامل تكرير ولم يكن لدينا ناقلات بعدما غدر بنا العالم.
ولكن كان هناك رجال قرروا عبور الهزيمة وأن يؤسسوا للقطاع من جديد.
وتحت القصف والنيران كان البحث والاستكشاف يعمل على قدم وساق منهم احمد.كامل البدري والبرقوقى وعبدالخالق عياد وعلى وإلى وغيرهم ، كان حقل المرجان يضخ باكورة انتاجه الفى برميل يوميا وكان المهندسين العسكريين مع قيادات بترولية على رأسهم عبد المنعم ابو السعود فى منطقة العلمين يقوموا باكتساح الغام الحرب العالمية الثانية بمنطقة الاكتشافات الجديدة لشركة فيليبس الأمريكية عن حقل الحمرا اويل... وبأقل إمكانات استطاعوا إعادة بناء المعامل وكان بينهم رمزى الليثى وسعد عبد المجيد وحسب النبى عسل وكمال مصطفى واخرون وتوزيعها جغرافياً لتامينها من ضربات العدو.
نعم لم يكن القتال على الجبهة وخلف خطوط العدو فقط بل في الحقول وفى المعامل والمصانع ليحققوا لمصر أكثر من 400 ألف برميل إنتاجاً يومياً وبما يزيد عن إنتاجنا الحالى خلال سنوات ثلاث من النكسة، كانت تلك مدرسة... بينما الٱن بزغت مدرسة جديدة تبدو أقرب إلى فلسفة إرضاء الشريك أولاً على أمل أن يأتى الخير لاحقًا.
مدرسة التفاوض الوطنية
فى عام 1979، وبينما كانت مصر تخطو أولى خطواتها بعد استعادة سيناء، حاول الجانب الإسرائيلى الحصول على البترول المصرى بأسعار رمزية، مستندًا إلى عبارة قالها الرئيس الراحل أنور السادات فى إطار سياسى سوف نمنحكم البترول.
كان بإمكان المفاوض المصرى أن يختبئ وراء الكلمات الجميلة.. لكن المهندس أحمد عز الدين هلال، وزير البترول آنذاك، كان يعرف الفارق بين السياسة والاقتصاد.
قال عبارته الشهيرة: الرئيس السادات رجل سياسة.. أما أنا فرجل اقتصاد ولتبقى مصالح الدولة أعلى من أى مجاملات أو عواطف.
وأصر الرجل على ربط سعر البترول المصري بسعر خام برنت العالمي، وعبر المزايدات مضافًا إليه علاوات مرتبطة بجودة الزيت الخام إدراكًا منه أن الدول تبني علاقاتها على المصالح لا على العواطف.. وبعد وصول الكيميائي عبد الهادى قنديل إلى الوزارة وكانت هناك اكتشافات من الغاز الطبيعى وكان يستخدم كوقود فى بعض مصانع الأسمنت بحلوان.. فقرر ربطه بأسعار المازوت بإعتبار أن استخداماته كوقود حريق الافران كبديل المازوت.
وحين اكتشف الدكتور حمدى البنبى وزير البترول أن الشركات الأجنبية تتعامل مع الغاز الطبيعى باعتباره سلعة غير جاذبة، لأن أسعاره كانت مرتبطة بأسعار المازوت منخفضة القيمة، لم يوزع الهدايا على الشركات ، بل عدّل الاتفاقيات لتحقيق هدف واضح سوف ينعكس بنتائج إيجابية ومكاسب اقتصادية اكبر على مصر.. فقام بربط بعض ب اكتشافات بعض الحقول بخام برنت.
مما دفع الشركات للبحث عن الغاز الذى كانت مصر فى أشد الحاجة إليه.. وكانت النتيجة اكتشافات غيرت مستقبل الطاقة فى البلاد.
ثم جاءت مدرسة المهندس سامح فهمى التي ربما يتفق الكثيرون على أنه عبقرية سياسية وإدارية، وللأمانة لا يستطيع أحد إنكار أن نظرته الاقتصادية كانت استباقية.
فعندما كان سعر البترول يدور حول العشرين دولارًا للبرميل، قرر وضع سقف لسعر شراء الغاز من الشركاء عند 2.65 دولار للمليون وحدة حرارية... وقد أثبتت السنوات أن الرجل كان يرى ما لا يراه الآخرون.
فعندما قفز النفط إلى أكثر من مائة دولار، ظلت مصر تحصل على حصة الشركاء من الغاز وفق السقف الذى حدده.
وكانت النتيجة أن الدولة أنقذت خزانتها من خسائر كانت تقترب من مائتى مليار دولار.
كان هؤلاء يتفاوضون بمنطق بسيط: إذا أعطيت الشريك دولارًا، فعليك أن تحصل منه على دولارين.
الشريك اولاً وأخيراً
أما اليوم، فيبدو أن المعادلة تغيرت.. فإذا تأخر الشريك فى تنفيذ التزاماته، يحصل على مهلة.. إذا لم ينفذ استثماراته، تجرى إعادة جدولة المطلوب.. وإذا أراد مزايا إضافية يتم البحث عن صيغ جديدة.. وإذا طلب تعديل الاتفاقيات، تفتح الأبواب.. وإن تمسك رئيس شركة بحقوق الدولة مع الشريك يتم استبعاد المسئول المصرى عقابا له على عدم الرضوخ للشريك.
وكأن المطلوب ليس تعظيم نصيب مصر، وإنما إزالة أى شعور بضيق قد ينتاب الشريك الأجنبي، ليصبح صاحب اليد العليا في أمور قطاع البترول.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن المهندس كريم بدوى وزيرالبترول الحالي الذى يتناغم مع مدرسة مصلحة الشريك أولاً.. جاء من عالم مختلف.. رجل تلقى كل تعليمه من رياض الأطفال مرورا بمدارس وجامعات أجنبية، وقضى إثنين وعشرين عامًا داخل شركة شلمبرجير الأمريكية، وأنهى آخر سنواته فى المقر الرئيسى للشركة بالولايات المتحدة.
من حق أى مسؤول أن يحمل رؤيته الخاصة ، لكن من حق الرأى العام أيضًا أن يتساءل: هل جاء الرجل بعقلية وزير بترول مصري؟.. أم بعقلية خبير دولى يرى أن إسعاد المستثمر هو المدخل الوحيد لحل كل المشكلات؟
منذ الأيام الأولى لوصوله إلى الوزارة، بدأت بعض الشركات الأجنبية فى طلب إعادة النظر فى اتفاقيات لم يمض على توقيعها سوى أشهر معدودة.. ومنها شركة أكسون موبل الامريكية
وكانت المفاجأة أن طلبات التعديل لم تقابل بالدهشة التى سادت كل المسئولين داخل القطاع، بقدر ما قوبلت بحماس لافت من المهندس كريم بدوى!
وهنا أتحدث متيقناً - ولست مازحًا - عن ظهور مدرسة جديدة فى الاقتصاد ، مدرسة لا تعرف آدم سميث، ولا كينز، ولا ميلتون فريدمان.
بل مدرسة تؤمن بنظرية مختلفة تمامًا: إذا أحببنا الشريك الأجنبى بما فيه الكفاية.. فربما يحبنا هو الآخر!
لكن المشكلة أن شركات البترول العالمية لا تقع فى الحب.. ولا تعرف الامتنان.. ولا تملك القناعة أمام الكرم الذى يناطح التفريط.. لأن منهجه الحصول على كل ما يمكن الحصول عليه والإمساك عن كل ما يمكن الإمساك عنه .. فالشركاء لا يقرأون الشعر ، وإنما يقرأون قوائم الأرباح.. ولا يتأثرون بالمشاعر.. بل يتعاملون فقط بما يدخل خزائنهم.
ولهذا يبقى السؤال: هل انتقلت وزارة البترول من مدرسة المصالح.. إلى مدرسة الاقتصاد العاطفى؟
نعم الاقتصاد العاطفى بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، عندما تصبح وزارة البترول مكتبًا لخدمة العملاء، وفيها يتم القبول بتعديل إتفاقيات إكسون موبيل، وشمال الزعفرانة، والقبول بإتفاقية كرونوس التي اثارت تعجب قبرص نفسها ،مع سخرية هادئة ولاذعة، وربطها بالسؤال الكبير: من يدافع عن نصيب الدولة إذا أصبح الشريك هو الطرف الأكثر سعادة فى كل تفاوض؟
